محمد أبو زهرة

401

المعجزة الكبرى القرآن

وقالت طائفة أخرى ، وعلى رأسهم عبد اللّه بن مسعود أنها تعتد بوضع الحمل ، آخذا بعموم اللفظ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ لأنه يشمل المتوفى عنها زوجها الحامل ، كما يشمل المطلقة . واجتماع فقهاء الصحابة على رأى فقهى يكون حجة ، وكذلك إذا لم يرد عنهم في تفسير الآية التي تتعلق بالحلال والحرام إلا رأى واحد ، وإذا اختلفوا جاز للفقهاء المحبذين أن يختاروا من آرائهم ، ولا يخرجون عنها . 249 - وإن الموضوعات التي أثرت عن الصحابة آراء فيها مختلفة من حيث قوة الأخذ برأي الصحابي فيها . وأولها ما يتعلق بالحلال والحرام ، وقد علمت القول فيه ، إذا كان مبناه الرأي ، والقبول المطلق إذا لم يكن للرأي فيه مجال . ومهما يكن الأمر بالنسبة لآيات الأحكام ، فإن أقوال الصحابة وأعمالهم تتبع في فهم الآيات الخاصة بالحروب والصلح ، والمعاهدات والأمان ، وأحكام الذميين والمستأمنين ، وجمع الغنائم وتوزيعها ، وفرض الخراج والجزية . وكان عهد الفاروق عمر رضى اللّه عنه عهدا خصبا لبيان الأحكام الشرعية فقررت فيه المبادئ الإسلامية المستفادة من القرآن ، وتعد معينا لفقهاء استقوا منه آراءهم في نظم العلاقة الدولية بين المسلمين وغيرهم في السلم والحرب ، وقد استقاها هو من فهمه لكتاب اللّه تعالى ، وإدراكه لمراميه . ولذلك نجد كتب السير أخذت من ذلك المعين ، فكتاب الخراج للإمام أبى يوسف ، الأصل الذي اعتمد عليه هو عمل عمر رضى اللّه عنه الذي نفذ ويفهمه من القرآن الكريم . وكذلك الإمام محمد بن الحسن الشيباني في كتابه « السير الكبير » قد أخذ أكثره من عمل الصحابة ، وخصوصا عمل عمر الذي استنبطه من القرآن الكريم . ويعد كتاب « السير الكبير » أول كتاب ألف في القانون الدولى الذي يقوم على قواعد العدل والرحمة ، والكرامة الإنسانية ، كذلك كتاب السير للأوزاعى ، وغيره من الكتب كان اعتمادها على ما عمل به الصحابة آخذين ذلك من فهمهم لمرامى القرآن الكريم . ومن الموضوعات التي أثر عن الصحابة أقوال فيها في تفسير وفهم معانيه آيات القصص في القرآن الكريم ، وليس المروى عنهم في ذلك كثيرا ، والصحيح النسبة إليهم رضى اللّه عنهم قدر ضئيل . وذلك لأنهم ما كانوا يعنون إلا بما له أثر عملي يتعلق بالحلال والحرام ، وما له أثر في أعمالهم ، وتنظيم جماعتهم وإقامة الحق والعدل في الأرض .